“عمر أمرير” ..كنز يمشي على الأرض

“عمر أمرير” ..كنز يمشي على الأرض

2019-08-20T12:24:48+01:00
2019-08-20T12:24:52+01:00
مواقف وأراء
أكادير تيفي
نشرت منذ شهر واحد يوم 20 أغسطس 2019

من الصعوبة بمكان الحديث والكتابة عن اشخاص من طينة الاستاذ الباحث عمر أمرير. لكن من اجل ترسيخ ثقافة الاعتراف بيننا وبين الاجيال الحالية والقادمة. من الواجب علينا الكتابة والتعريف بسيرة استاذنا سي عمر ، بالرغم من أنه مهما كتبنا وتكلمنا لن نوفي بالغرض في حق هذه الشخصية العلمية الفريدة المتعددة الأبعاد والاهتمامات. والمبتغى هو أن يعرف الشباب الامازيغي اليوم الذين ضحوا وناضلوا في الأمس ..وأسسوا أرضية مرجعية متينة في زمن كان فيه الكلام عن الامازيغية بمثابة طرق أبواب السجون والمتابعات ….
ازداد عمر أمرير في سنة 1949 بقبيلة ايداومحمود القاطنة على سفوح وقمم أطلس درن التابعة حاليا لإقليم تارودانت، وبها درس ابتدائيا وانتقل الى مراكش ثم إلى فاس حيث حصل على الاجازة في الاداب سنة 1972 وانجز بحثه للاجازة في موضوع الشعر الامازيغي المغربي/ منطقة سوس. وفي سنة 1987 حصل على ديبلوم الدراسات العليا المعمقة في الاداب كذلك.. ثم في سنة 1998 ناقش اطروحة الدكتوراه بمدرج الشريف الادريسي (الذي كان يسمى مدرج الدراسات الامازيغية ايام الحماية ) تحت موضوع “رموز الشعر الامازيغي وتأثيرها بالاسلام ” ونال باستحقاق كبير ميزة مشرف جدا.. واشتغل الدكتور استاذا جامعيا بكلية الاداب بمدينة الدار البيضاء.
عمر أمرير انجز أول بحث جامعي حول الشعر الامازيغي بسوس في سنة 1972 داخل كلية فاس وداخل شعبة الاداب العربي.
يا لها من مغامرة …
إنه التحدي الذي رفعه شاب قادم من جبال الاطلس الكبير في أوج القومية العربية بالمغرب وفوران الشعور والحماسة الجياشة بالفكر القومي الذي كان خلال السبعينيات يفرض هيمنة مطلقة داخل الجامعة وخارجها. ونحن في 2018 لازلنا نعيش مرارة سيطرة العروبيين داخل كلية فاس وكيف يقومون بترهيب وتعنيف طلبة امازيغيين … كما أنه زمن الرصاص والحديد.
لن يفهم عواقب وخطورة مغامرة عمر أمرير إلا هو ..لأنه الوحيد الذي عاش تلك المغامرة بأدق تفاصيلها. لكن يمكنني أن افهم صمود الدكتور عمر لأنني اولا اعرفه شخصيا وثانيا زرت قبيلته ايداومحمود واطلعت على جزء من تاريخها . إنه إبن قبيلة تاريخية عظيمة وعريقة قد يحصل أن اسمها الاصلي هو ايداومصمود لأنها جزء من قبائل مصمودة الجبل التي قادت الامام المهدي ابن تومرت وخلفه عبدالمومن إلى عرش أكبر امبراطورية امازيغية في التاريخ وفي شمال افريقيا والاندلس..
عمر أمرير مرجع . كنز من كنوز المغرب … هو جزء من تاريخ الامازيغية ، بمعنى أدق من تاريخ النضال الأمازيغي.. ليس في البحث الاكاديمي والجامعي وفي التأليف فحسب ..وإنما في ميدان الاعلام السمعي البصري . وكما كان هو السابق الى ادخال الامازيغية في البحث الجامعي ..فكان له الشرف والسبق ايضا أن يرسم طريقا مجددا وجديدا في حقل ملغوم وصعب للغاية وهو حقل الاعلام عبر برنامجه الشهير كنوز الذي يعده ويقدمه على قناة الاولى منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي ، بالرغم من انه يقدم باللغة العربية الا أنه كان بمثابة اللبنات الأولى لاعلام أمازيغي نظرا للمواضيع التي كان يعالجها ويطرحها التي كانت غير مسبوقة في مجال التلفزيون إنذاك..وخلف ذاك البرنامج الشيق ارشيفا مصورا هائلا وضخما عن ثقافات المغرب المتعددة وعن تاريخ البوادي والقرى النائية …وفي الحقيقة وللتاريخ فالدكتور عمر أمرير قاد ثورة ثقافية هادئة داخل التلفزيون في زمن التكميم والقيود الكثيرة والمراقبة الشديدة للنظام على وسائل الاعلام التي كانت تابعة للاجهزة الداخلية..
شخصية امرير ..شخصية فريدة …له فلسفة حياة مميزة ..له عالم خاص به . إسمه يفصح عن جزء من ذلك العالم، أمرير إنه شاعر ايضا ..واسمه يبين أنه سليل أسرة يتسلسل فيها النظم والشعر والعلم. فهو غزير العلم وكثير التأليف له مؤلفات كثيرة حول الشعر الامازيغي والفنون الشعبية المغربية منها رسالته الجامعية منشورة في كتاب ومنها كتب أخرى حول شعر سيدي حمو الطالب احدها صدر حديثا تحدث فيه عن عالمية الشاعر سيدي حمو…. وكتب عن السوسيون العصاميون في الدار البيضاء وكتاب مهم عن الشاعر المرحوم يحيا بوقدير وله كتاب يحمل عنوان جذور الديموقراطية بالمغرب نموذج ايت عبلا …ومؤلفات أخرى ومقالات كثيرة في مجلات علمية ومؤلفات جماعية مختلفة داخل المغرب وخارجه…ويحسب له في هذا الاطار اقتحام اوساط ومجلات مشرقية في العراق وغيره الذي كان مركزا للبعثية وينشر فيها مقالات عن الثقافة الامازيغية ..وأذكر هنا مقالة تاريخية مهمة نشرها حول رقصة تاسكيوين في بغداد على صفحات احدى المجلات…وكان هذا العمل الجبار افضل طريقة للرد والترافع عن الامازيغية أمام مثقفين مغاربة سلبت القومية العربية عقولهم…وكانوا مهووسون بكل ما جاء من العراق وسوريا ومصر…
الدكتور عمر كثير المطالعة ودائم البحث والتنقيب له ذاكرة قوية وغزيرة …تنتابني سعادة كبيرة كلما التقي معه داخل القناة الامازيغية …نناقش في مواضيع مختلفة واحاول دائما الاستفادة من علمه وحكمه ودهائه..واسارع الزمن لكي تستغرق المحادثة وقتا أطول.. الحديث مع سي عمر شيق وممتع ومفيد ..فيه حكم مأثورة واقوال خالدة وكلام مرموز ومعلومات دفينة….
الدكتور أمرير يعشق الرموز كثيرا …هو يحيا بها ..ويبحث دوما لفك كل أسرارها ..له معاني مغايرة للثقافة والمجتمع ويفسر الأحداث من زوايا مختلفة ذات عمق …له رؤية خاصة للأمور لانه متخصص في الثقافة والفنون …له مفهوم جديد للحضارة استنبطه من فكره الموسوعي ومن تجربته الميدانية الكبيرة ومن ذكائه وحسه الشعري . للاسف بلدنا لا تعرف قيمة علمائها ومفكرييها…
هل يقبل أن أسميه الاستاذ الأول للانثروبولوجيا الثقافية بالمغرب ؟ إنه بالفعل هو صاحب هذا التخصص بالمغرب وعليه أن يفتح هذا القسم بالجامعة المغربية لكي يستفيد منه الطلبة ..باختصار أمرير عالم انثروبولوجي بامتياز..لو جاء من أمريكا أو اوربا لقدسه البعض في المغرب ويكثر عليه التبجيل نظرا لعقدة المغاربة مع أصحاب العيون الزرقاء حيث يكفي أن تكون جنسية الباحث أجنبية ليتم تقديس افكاره وتنهال عليه الصحافة ومراكز البحث …وهذه عقدة تاريخية مركبة تركها الاستعمار والمستشرقون في الاوساط الجامعية والبحثية بالمغرب…
يعجبني الحديث مع الدكتور أمرير مرتديا قميصا أنيقا وكرافطة وحذاء اسود لامع مع سلهام أمازيغي …هو الوحيد الذي يرتدي هذا اللباس الذي يمزج الماضي بالحاضر وسط العاصمة ..وحين نناقش فيما بيننا يفتح حقيبته المملوءة بالكتب التي يتصفحها في القطار بين الرباط والبيضاء …ثم يأخذ حبات من اللوز والجوز ويقول لي أمز ش اميك غ العوين ن الطالب،.. إنه اسلوب في الحياة مبني على الزهد والايمان وحب العمل…وهي ميكانيزمات الانسان السوسي وصفات علماء سوس الكبار ..شموخ في العلم ورسوخ في التواضع والسلوك…
لا يجلس امرير في المقاهي ولا يضيع وقته في حصد الفراغ…له برمجة خاصة وصارمة مع الوقت …مثل هؤلاء الناس حالة استثناء …
متأكد أن عمر امرير يخط يومياته ومذكرات حياته ..أتمنى أن نقرأها يوما ما …ومتأكد جدا أنها ستكون مغرية وممتعة ولن تشبه مذكرات الاخرين…وفي انتظار ذلك …اعتذر من الدكتور إن اختصرت الكلام في حقه…

بقلم : عبد الله بوشطارت

رابط مختصر
أكادير تيفي

تلفزة وجريدة الكترونية في عنوان واحد

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.