مبدأ التدبير الحر بين النجاعة وسلطة المراقبة الإدارية

مبدأ التدبير الحر بين النجاعة وسلطة المراقبة الإدارية

يساعة 24
أكادير تيفي
نشرت منذ 4 سنوات يوم 17 أبريل 2016

ما مفهوم مبدأ التدبير الحر؟ أين تتجلى أهميته في إعطاء الجهة صلاحيات واستقلالية في تدبير الشأن الجهوي؟ ما مدى قدرة المشرع المغربي في التوفيق بين مبدأ التدبير الحر للجهة و سلطات المراقبة الإدارية؟هل فعلا خرج هذا المبدأ لحيز الواقع منذ صدوره ولو بعملية قيسرية؟ هذه الأسئلة، و أخرى يطرحها الشارع المغربي و الباحثين والدارسين في المجال القانوني.

بداية، لابد لنا من إحاطة المتلقي بالمغزى من هذا المبدأ الذي جاء به القانون التنظيمي للجهات 111.14 ونص عليه دستور 2011 في الفصل 136، ويقصد به حرية الجهة في التداول و التقرير في إطار الاختصاصات الممنوحة لها قانونا.

 يتضح لنا جليا من خلال هذا المفهوم أن له قالب لظاهره ألفاظ ومبان ولباطنه مقاصد ومعان، إذا من حيث المبدأ وبين رفوف النصوص القانونية يعد هذا الامتياز الذي أعطي للجهة منعطفا في مسار تعزيز اللامركزية الإدارية، لأنه وكما أشرنا سابقا يمكن الجهات من تدبير شؤونها بنفسها وتحديد اختياراتها التي قد تنهض بالتنمية الجهوية ويجعل تدخل السلطة المركزية محدودا بمقتضى القانون.

الشيء الذي جعل المشرع المغربي ينص على هذا المبدأ بالعديد من المقتضيات في القانون التنظيمي لعل أبرزها تلك المتعلقة بسلطة التداول بشكل يجسد ديمقراطية القرار الجهوي في شؤون وقضايا الجهة حسب المادة 4 من هذا القانون، لكن في رقعة الاختصاص المخول للجهة ولممارسة الجهة لهذا الاختصاص لا بد من توفر عدة شروط نصت عليهم المادة 244 من نفس القانون، ويتعلق الأمر بحضور أعضاء المجلس ومشاركتهم بكيفية منتظمة في مداولات المجلس وان تتسم هذه المداولات بالشفافية ومبدأ التشاركية الفعالة، وأن لا يتم اتخاذ مقرارات المجلس إلا بالتصويت العلني كما نصت المادة 8 على ذلك من نفس القانون الذي حافظ على نفس القاعدة التي سبق وجاء بها قانون 96.47 – المنظم للجهات سابقاً – ، لكن قانون 111.14 أضاف التصويت العلني على مجالات أخرى ترتبط باختيار رئيس المجلس الجهوي وأعضائه وأخرى تتعلق بإقالة عضو أو أكثر. علاوة على التداول يتصل مبدأ التدبير الحر بتنفيذ مداولات و مقرارات المجلس الجهوي كشرط كرسته أيضا المادة 4 من هذا القانون.

ما تطرقت له سلفا ، يضع الجهة في مكانة مرموقة و أن المغرب ماض في مسار جهوية القرار الإداري والسياسي والاقتصادي. بيد أن الممارسة تعكس مقاصد وراء الألفاظ الفضفاضة، بحيث تبقى الجهة متكئة على يدها اليمنى أحيانا إن صح القول أمام سلطات المراقبة الإدارية،إذ نجد صلاحيات رئيس المجلس الجهوي مقيدة بشروط وضوابط تجعل منه حسب أحد الباحثين القانونيين مجرد مستخدم لدى الوالي،ويتمثل هذا في ضرورة عدم خروج اختصاصات المجلس عن الضوابط القانونية التي لا تتوافق مع مبدأ التدبير الحر في ممارسته ،و ستجعل الرئيس غير قادر على التصرف والتحرك وفق مرجعيات وحاجيات ومحيط الجهة .

 هذا طبعا يأتي نتيجة تفاوت في موارد وثروات كل جهة بالإضافة إلى حنكة وكفاءات رؤساء عن غيرهم من الرؤساء،, من صلاحية المجلس أيضا هو ألا تكون مداولات ومقررات المجلس موضوع تعرض من طرف الوالي داخل أجل ثلاث أيام منذ توصله بها، فيقف قبول هذه المقررات على تأشير الوالي ، فهذا الأخير قد يرى أن هذه الصلاحيات لاتخذم توجهات الدولة العامة والقطاعية، وتكلفها حتى ولو على حساب ضرب مصالح الجهة باعتباره ممثل السلطة و يرفضها.

إذن ما الجدوى من لامركزية القرار مادام ممثل السلطة المركزية يتوفر على هذه الآلية؟ كأننا فسرنا الماء بالماء ،وأن يتم التنفيذ في حدود الموارد المالية الكافية،هنا العيب في بعض الاختصاصات المنقولة التي تنقلها الدولة للجهة. وتصبح في بعض الأحيان كاختصاصات ذاتية لكن دون أن ترفقها بالأموال المساعدة على مباشرة هذه الاختصاصات، لكن حتى لا أكون سلبي وأرى النصف الفارغ من الكأس، فالمشرع المغربي أعطى للجهات ضمانات تقيها من شر رئيسها الوالي وإن كانت تبقى ضعيفة ولا ترقى إلى درجة اللامركزية الحقيقية، ويتعلق الأمر بحق أعضاء المجلس بالرد قبل اتخاذ الوالي لقراره بشأن ما ارتكبوه من مخالفات لكن أيضا هذه الضمانة مقرونة بشرط تبليغهم بالكتاب من قبل الوالي،وثاني هذه الضمانات التي تتسم بالبطء والتأخر في إصدار القرارات ومع ذلك تستوجب عدم تعطيل المصالح الإدارية حفاظا على استمرارية المرفق العمومي فالأمر يتعلق بعرض القضايا التي يقع فيها خلاف بين الوالي و رئيس المجلس الجهوي على المحكمة الإدارية بعد إحالة القضية من طرف الوالي أو السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية،إذن ما دخل السلطة الحكومية؟ كلنا نجزم أن المحاكم الإدارية تتسم بالبطء كما أشرت وعدم تواجدها في العديد من المدن ولعل أبرز مثال على غيابها هو في الأقاليم الجنوبية.

نافلة القول،إن الغاية من تكريس مبدأ التدبير الحر هو الارتقاء بمكانة الجماعات الترابية خاصة الجهة،من خلال مرتكزين لا ثالث لهما، هما سلطة التداول وتنفيذ مداولات المجلس الجهوي. لكن يبدو أن الاستقلالية هاته لم تلقى صدرا رحب ومازلنا سنعيش في سياقات المركزية بطريقة غير مباشرة و هو ما يتيح إمكانية المساهمة بالتدخل في صياغة اختيارات المجالس الجهوية من قبل الولاة باستخدام سلطة المراقبة الإدارية و التمهيد لطريق التأثير في كيفيات تنفيذ اختيارات الجهة.

إذ، يبقى في رأيي كما قد يتفق معي كثيرون، على أن هذا المبدأ لن يضيف أي جديد لأننا كيف سنتحدث عن جهوية ولامركزية مع وجود صلاحيات واسعة للوالي. وما يصعب تنزيل هذا المبدأ هو محدودية الموارد المالية خاصة مع وجود تفاوتات بين الجهات من حيث الموارد المتأتية من الطبيعة و الجغرافية والظروف المتأتية من الاستثمار والعامل الديموغرافي، كلها عوامل ستتمر لنا جهات لها موارد وأخرى تحتاج الدعم المباشر للدولة مرفقا بمراقبة مالية تحد من استقلالية اختيارات وقرارات الجهة. الشيء الذي سيحيلنا على مبدأ وهو التضامن والتعاون بين الجهات دون تمركز الثروة في جهة دون غيرها وإلا سنبقى في ظلمة المغرب النافع والمغرب غير النافع.

بقلم : يحيى عفن

رابط مختصر
أكادير تيفي

تلفزة وجريدة الكترونية في عنوان واحد

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.