الإعلامي عبد الله بوشطارت :”شِيمُ السْوَاسَة .. مُداواة الإنتكاسَة”

الإعلامي عبد الله بوشطارت :”شِيمُ السْوَاسَة .. مُداواة الإنتكاسَة”

2020-03-26T16:33:22+01:00
2020-03-26T18:22:19+01:00
مواقف وأراء
أكادير تيفي
نشرت منذ 3 أشهر يوم 26 مارس 2020

  ها نحن اليوم؛ وفي ظل هذه الأزمة الخانقة التي سببها وباء عالمي يجتاح بلدنا، تقطعت كل الحبال والسبل، وبات مفر النجدة الوحيد يكمن في المكوث بالمنازل والبيوت، حجرا وحجزا لانقاذ النفوس من بطش الفيروس. ها نحن اليوم؛ نتأكد مرة أخرى، من أن التجارة بالتقسيط، المنتشرة في الدروب والاحياء، على الشوارع والازقة، والمعروفة باللسان الدارج، ولهجة الحي، ب “مول الحانوت” ليست مهنة عادية، كما يتبدى لكثير من الناس، وليست وظيفة سهلة، لأنها ليست مواتية للجميع، بمعنى أن أسرار هذه التجارة لا يمتلكها الكُل، ومفاتيح الحوانيت بالمغرب توجد فقط، في أيادي شريحة واحدة من المجتمع، هم السواسة، أبناء بوادي سوس.

أبناء الهوامش والسفوح الفقيرة، الجرداء العطشاء، وراء الأطلس. الذين نزحوا إلى المدن الكبرى في أوائل ايام الحماية، ورفضوا الاشتغال في معامل الاستعمار وفتحوا حوانيتهم الصغيرة في الأسواق والأحياء الصناعية، ودواوير الصفيح، اكتفوا بالقليل، لأنهم ورثوا اقتصاد القلة من حرث سفوح الجبال التي لا تعطي الغلة، وآمنوا أن المستقبل في اراضي الهبط والسهل في تامسنا، وحتى لا يتحولوا إلى أقنان في ضيعات الأعيان، ولا إلى بروليتاريا في معامل الامبريالية، ركبوا سفينة التجارة للابحار في أمن وآمان واستقلالية.  اليوم هؤلاء المجاهدون، التجار ارباب الحوانيت، يواجهون الوباء، يواجهون الفيروس الذي ينتقل بشكل رهيب بين الناس، يفتحون محلاتهم ليس لأنهم يلهثون نحو الكسب، وليس لأنهم يريدون استغلال فرصة الازمة ووقت الشدة من أجل البيع، ولكن يفتحون ابوابهم لكي يجد المواطن بضاعته التي يحتاجها في قوته اليومي بالقرب من منزله حتى لا يظطر إلى التحرك والانتقال إلى واجهات أخرى، ويكون عرضة للفيروس. هذه هي الرسالة التي يؤمن بها جل وإن لم نقل كل هؤلاء التجار، لأنهم يدركون جيدا المعنى الحقيقي لمفهوم “تجار القرب”.

فمهما بلغت مستويات وكميات البيع والشراء، فإن ربح مول الحانوت يبقى محدودا جدا بفعل محدودية العرض والطلب، كل واحد يعرف امكانياته، الطالب والمطلوب، فالمواطن الذي يقصد مول الحانوت في الحومة فإنه يرغب فيما هو ضروري في المقتضيات اليومية أو في متطلبات آنية والتي تصدر مباشرة من المطبخ.

كما أن مول الحانوت لا يمكن له أن يوسع من هوامش الربح ولا يمكن له أن يستغل فرصة الأزمة، أولا لأن السلع والمواد التي يبيعها تكون محدودة وموجهة للتقسيط وليس للجملة، ثانيا أسعار المواد الغذائية الأساسية معروفة، سكر وزيت وحليب ودقيق وشاي والمعلبات….ثالثا مول الحانوت تربطه علاقات اجتماعية مع الزبناء تتجاوز ما هو تجاري محض. 

كل هذه الأمور تؤكد على أن اشتغال البقالة في ظل هذه الجائحة، يعتبر بمثابة تضامن وتكافل وتآزر خاصة إذا علمنا أن أغلب البقالة يشتغلون بدفاتير الطلق، يعني بالكريدي، حيث يساعدون الأجراء والموظفين وعائلاتهم وابنائهم، على اخذ مشتريات ومواد غذائية إلى آخر الشهر، والمؤسسة الاجتماعية الوحيدة التي تعطي السلف بدون فوائد حاليا في المغرب هي الحانوت، وهي فعلا مؤسسة اجتماعية واقتصادية وتجارية متعددة الوظائف، إلا أنها للاسف لا يزال ينظر إليها بازدراء، حتى داخل الاوساط الجامعية، فلا تزال أعين الباحثين في السوسيولوجيا والانثروبولوجيا والاقتصاد بعيدة عن دراسة وتحليل ظاهرة مول الحانوت، التي أسميها شخصيا ب”المؤسسة” ويقتضي دراستها اجتماعيا وثقافيا.  هذه رسالة إلى بعض رجال السلطة، وإلى بعض الساكنة، وإلى بعض الاشخاص الذين يقومون بتصوير تدخلات رجال السلطة اثناء مراقبتهم تنفيذ حالة الطوارئ، والذين يتعمدون إظهار أساليب الإفراط والشطط في استعمال السلطة، أمام حوانيت البقالة والتي تتحول في أحايين كثيرة إلى التسلط،  يجب أن يعلموا أنهم، اذا كان رجال السلطة يسهرون على أمن الساكنة وسلامتهم والتي يتقاضون عليها أجور ضخمة من المال العام ومن دافعي الضرائب، فإن مول الحانوت هو الآخر يسهر على الأمن الغذائي، ويسهر على ضمان واستدامة السلم الاجتماعي للمواطنين والدولة والمجتمع، فأول من يستقبل المواطن كل صباح هو مول الحانوت، قبل أن يذهب إلى المقاطعة او القيادة. يشتغل اكثر من  12 ساعة في اليوم، ولا يتقاضى أي سنتيم من الدولة ولا من المال العام، ومحروم من صناديق التقاعد والتغطية الصحية، ولا يأكل إلا من عرق جبينه. ويأتي موظفي الدولة يتشدقون عليه في وقت الشدة والازمات.

  لذلك، فمول الحانوت وهو يشتغل في هذه الظروف الصعبة والقاسية، فهو يضع نفسه رهينا ومهددا بتلقي الفيروس في أية لحظة، فإنه يفعل ذلك، لأنه متشرب ومتشبع بقيم التضامن والتكافل وايمانه بروح الجماعة والوحدة، التي تؤطر ثقافته الأمازيغية ووعيه الجمعي وضميره الانساني، وهي قيم ليست طارئة عليه، وإنما تشكل البنيات الثقافية والاجتماعية للمحيط الذي نشأ فيه، وهو سوس، وتؤكد الدراسات الانسانية الحديثة على أن البيئة الثقافية تلعب دورا كبيرا ومحوريا في صناعة السلوك البشري والقيم. وارتباط مول الحانوت بمنطقته وبمسقط رأسه يبرهن على أنه حريص الحفاظ على هذه القيم التي تؤطره. 

قيم التضامن، والتكافل والتآزر التي تجسدها تيوزي وتامونت، وكذا حب العمل واثقانه والاجتهاد، نهايك عن الكفاف وخدمة الآخرين، هي من أسرار نجاح السواسة في تجارة التقسيط أكثر من غيرهم. 26 مارس 2020.

عبدالله بوشطارت

رابط مختصر
أكادير تيفي

تلفزة وجريدة الكترونية في عنوان واحد

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.