أكد المؤرخ المغربي عبد الله بوصوف أن الأمازيغ المغاربة لعبوا دورا محوريا في بناء حضارة الأندلس، معتبرا أن هذا المعطى التاريخي يتعرض اليوم لمحاولات طمس وتحريف ضمن ما وصفه بـ”عملية سطو ممنهجة” على الذاكرة الوطنية.
وأوضح بوصوف، خلال مشاركته في برنامج على موقع هيسبريس، أن فهم نشأة حضارة الأندلس يقتضي العودة إلى الجذور التاريخية، مبرزا أن المغرب ككيان حضاري سابق زمنيا لقيام الأندلس، وهو ما يجعل منه، وفق طرحه، الفاعل الأساسي في تشكلها، سواء على المستوى البشري أو الثقافي.
وسجل المتحدث أن حضور الأمازيغ في شبه الجزيرة الإيبيرية يعود إلى فترات سابقة لدخول الإسلام، مستندا إلى معطيات أثرية حديثة، من بينها اكتشاف نقود أمازيغية بإسبانيا، إضافة إلى إشارات تاريخية حول امتداد نفوذ شخصيات أمازيغية إلى مناطق جنوبية من البلاد.
وفي هذا السياق، أشار بوصوف إلى أن الجيوش التي دخلت الأندلس لم تكن عربية خالصة، بل غلب عليها الطابع الأمازيغي القادم من المغرب، معتبرا أن توصيف ما حدث بـ”الغزو” أو “الفتح” لا يعكس دقته التاريخية، مفضلا وصفه بـ”ثورة ثقافية” قائمة على انتقال حضاري سلس، ساهم فيه التقارب العقدي وانتشار النزعة التوحيدية لدى المغاربة قبل الإسلام.
وحذر المؤرخ المغربي من تعدد أشكال “السطو” على التاريخ الوطني، مبرزا أن الاستشراق الإسباني ساهم في الترويج لفكرة “تأثير الأندلس على المغرب” لخدمة خلفيات استعمارية، كما أشار إلى محاولات إعادة كتابة التاريخ من طرف بعض الأطراف الإقليمية، عبر نسب أدوار حضارية لا تستند إلى معطيات دقيقة.
وفي معرض رده على هذه الطروحات، شدد بوصوف على أن عددا من الشخصيات التاريخية، من قبيل عبد المؤمن بن علي الكومي، ارتبطت بمجال كان ضمن نفوذ الدولة المرابطية، مبرزا أن معالم دينية بارزة في مدن مثل تلمسان وندرومة والجزائر العاصمة شيدها المرابطون المغاربة.
كما انتقد المتحدث الكتابات العربية الكلاسيكية ذات النزعة المشرقية، معتبرا أنها ساهمت في تهميش أدوار مغربية بارزة، من بينها إنجازات السلطان يعقوب المنصور الموحدي، الذي حقق انتصارات عسكرية مهمة وبسط نفوذه على رقعة جغرافية واسعة دون أن يحظى بما يكفي من الاهتمام في السرديات التاريخية.
وامتد النقد إلى الأعمال الدرامية، التي قال إنها قدمت صورا نمطية عن المغاربة، خاصة خلال تناولها لفترة المرابطين، موضحا أن هذه الأعمال أغفلت مظاهر الازدهار العمراني والثقافي لمدن مغربية مثل أغمات، التي كانت، بحسبه، من أبرز الحواضر في زمنها.
وفي سياق إبراز الخصوصية الحضارية، أشار بوصوف إلى تميز الفنون المغربية، وعلى رأسها الزليج القائم على الهندسة والتجريد، باعتباره تعبيرا عن فلسفة التوحيد، إضافة إلى دلالات الصوامع المربعة التي تعكس الثبات والسمو الروحي.
كما توقف عند عراقة المدن المغربية، معتبرا أن عددا من المدن الأندلسية استلهمت نموذجها العمراني منها، مقترحا الترويج لمدينة فاس كوجهة عالمية باعتبارها من أكبر المجالات الحضرية المخصصة للمشاة.
وفي ما يتعلق بالتراث الغذائي، أوضح بوصوف أن ما يعرف بـ”المطبخ الأندلسي” هو في جوهره امتداد للمطبخ المغربي، مشيرا إلى إسهام المسلمين في نقل تقنيات زراعية متقدمة إلى أوروبا.
وختم بوصوف مداخلته بالدعوة إلى تعزيز البحث العلمي وإعادة النظر في المناهج التعليمية، مع التركيز على إدماج الرواية التاريخية المغربية في الفضاء الرقمي وقواعد بيانات الذكاء الاصطناعي، بهدف حماية الذاكرة الوطنية من التحريف، واستثمار هذا الرصيد الحضاري في الترويج السياحي والثقافي للمغرب.





