full screen background image

” عن أهل الصحراء ..أحدثكم “

كثيرا ما إرتبطت ثقافة منطقة ما بعدة أشياء يتداخل فيها المادي الملموس بغير المادي ..ويندمج فيها الخاص بالعام فتصير غير قابلة للتشويه ولا للنمذجة ..إنها ثقافة لا يمكنك رؤيتها في منطقة أخرى من بقاع هذا العالم ، أولنفترض جدلا أنك رأيتها فلن تراها بتلك الطريقة الأصلية المعهودة،
.. اليوم إخترنا أن نسافر بكم عبر الزمن ، ونحط الرحال بأقاليمنا الجنوبية لنتعرف ولو قليلا على ثقافة مختلفة وفريدة ..ثقافة صحراوية يتوارثها أهل الصحراء جيلا بعد جيل، وأنت تحط أولى خطواتك بإحدى المدن الصحراوية ..او تلك القربية منها ، أؤكد لك عزيزي القارئ (ة) أنك ستنبهر لجمالية المشهد ، وستقف حائرا امام ذاك الكم من التنوع الذي يميز كل منطقة على حدة ..تنوع في الموروث الثقافي المادي واللامادي..وتنوع في المشاهد والطقوس التي لايمكنك رؤيتها في باقي مناطق المغرب ..

ولعل أبرزها أو لنقل متصدرها جلسات الشاي التي تجمع كل الأطياف ..كبارا وصغارا ، شبابا وكهولا .. إذ يتميز الشاي بالأقاليم الصحراوية بطقوس خاصة وأوقات معينة يتم إعداده فيها وفق ضوابط محددة تحضر فيها نقاشات ويتم تداول مختلف الأخبار ومناقشة كل أمور الحياة ..ورغم أن الشاي ليس غاية في حد ذاته ، إلا انه يستحيل عند الصحراويين أن يعقد مجلس أو تحيى سهرة دون إعداد الشاي أو “أتاي” باللغة العامية ..إنه بالنسبة لهم بمثابة الطقس اليومي المعتاد الذي يستحيل أن يفرط فيه أو يتناساه كل فرد من المجتمع الصحراوي ..

إنه نافذة الإغاثة التي تثلج الصدور و تنشط الذاكرة وتحيي الفكر، وإذا ما أخدنا الشاي مثلا ، فإن تحضيره بالمناطق الأخرى من المغرب ..يختلف كثيرا عن تحضيره في أرض الصحراء كونه يستلزم القيام بسلسلة من العمليات المتناسقة التي يتعين إحترامها ..منها تحضير الجمر و حضور الجماعة لتجاذب أطراف الحديث حول مختلف المستجدات كالترحال ومأكل الماشية وشؤون القبائل و تطورات الساحة السياسية وغيرها من الأمور ذات الشأن المحلي أو الوطني، “الزريك” كذالك من المشروبات التي يختص بها أهل الصحراء ، إذ يتم شربه للتخفيف من شدة العطش وحرارة الجو..ويتكون لزاما من الحليب والكوفيا، أما الزي فله مكانة خاصة عند أهالي الصحراء ..إذ يولون له كل الإهتمام ، فهو بمثابة رمز للهوية وللثقافة ..ولكثير من الأشياء ..والزي الصحراوي يختلف كل الإختلاف عن باقي أزياء القبائل الأخرى ..إذ يفضل الرجال لبس
”الضراعة” مع اللثام (العمامة ) في حين يرتدين النساء ما يسمى ”الملحفة” بشتى ألوانها وأنواعها وأشكالها ..إنها بمثابة الرمز الذي يميزهن عن باقي نساء المغرب ، إن مدن الصحراء كلها مزيج من الحضارة والتاريخ والعولمة ، ففي كل مكان تزوره ترى الحاضر والماضي و المستقبل، كل جذورها تضرب في عمق التاريخ لتزهر في سماء المستقبل.. ورغم الكثافة السكانية التي تعرفها المدن إلا أن كل شيء منظم بيد سحرية لا تعلم من أين أتت ،
إن أهل الصحراء يعتزون كل الإعتزاز بأرضهم وثقافتهم التي يتوارثونها أبا عن جد ، ويتمسكون بتقاليدهم، ولا يفرطون فيها أياً كانت المخاطر والتحديات ، فالأرض بالنسبة لهم هي الهوية والشرف، وهي العائلة والنسب، وهي محل الفخر ومحط التيه، وهي مناط التنافس وعامل التمايز، فضلاً عن
أنها الكلأ والماء والمرعى ،
إن أهلنا في الصحراء أهل كرم وجود .. أهل معطاء ومضياف ، إذ لا يزال الحرص في كل قبيلةٍ من قبائل الصحراء على نمط الضيافة كأسلوب معتاد معاش ..به تتوطد العلاقات وتثمر حبا ومحبة تتناثر في كل الأرجاء ..وأنت تزور أرض الصحراء بمدنها وبواديها ..بخيامها ومنتزهاتها لا يمكنك أن تحس بإختلاف ..إذ كل شيء في مكانه وحتى تلك الأشياء المميزة لأهل الصحراء تبقى حاضرة في التجسيد وفي العيش ،
.. في أرض الصحراء أينما وليت وجهك تجد الحبل والبئر، والجرة وجراب الماء، والبعير والماعز والأغنام، وحليب النوق والماعز ، والنار المشتعلة ومواقد الحطب، وأفران الطين وخبز الكانون، وغير ذلك مما اعتاد البدو على الإعتناء به والحفاظ على بضع منه ..وهم على يقين ببقائه، ما بقيت شمسهم !..تسطع، وربابتهم تصدح، والماء من آبارهم ينضح
إن ثقافة الصحراء ستظل ثقافة أصيلة لابد أن نفتخر بها أينما كنا وكيفما عشنا، وستظل تلك البقعة الطيبة من بلادنا بفضائها وسحابها وشمسها وسرابها وإبلها وترابها ستظل هي ساحة التاريخ وجغرافيا اللغة ..وموطن !..لأهل الجود والكرم

محمد لكروبو



loading...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

loading...